يعيش المسلمون في هذه الأيام موسمًا عظيمًا، وأيامًا فاضلة، رفع الله شأنها، وأعلى مكانها، وميّزها عن بقية أيام العام، وجعلها غُرّة في جبين الدهر، ألا وهي أيام العشر، أعني العشر الأول من ذي الحجة، هذه الأيام المباركة التي اختصها الله بمزيد من الشرف والكرامة، وجعلها ميدانًا للمنافسة في الخيرات، والمسابقة بين المؤمنين في مجال الباقيات الصالحات، وموسمًا عظيمًا للتجارة الرابحة مع الله.
وإن شرف هذه الأيام، أمر معلوم من دين الإسلام، وقد تواطأت نصوص الكتاب والسنة على التنويه بفضلها، والإشادة بمكانتها ورِفعة قدرها، والإعلان عن تعظيم الله لشأنها، فقد أقسم الله بها تشريفًا لها، وتنبيهًا على فضلها فقال سبحانه: "والفجر* وليال عشر* والشفع والوتر".
والليالي العشر: هي عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف. و"الوتر" قيل: هو يوم عرفة، لكونه التاسع، والشفع، هو يوم النحر، لكونه العاشر. وهذان اليومان داخلان في الأيام العشر، ولكن الله خصّهما بالقسم اهتمامًا بشأنهما، وبيانًا لمزيد شرفهما، وأنهما أفضل أيام العشر، التي هي أفضل أيام الدهر.
وهذه الأيام العشر، هي الأيام المعلومات التي قال الله - تعالى- عنها: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج:27-28].
وإنما قيل عنها معلومات: للحرص على عِلمها، من أجل أن وقت الحج في آخرها.
أما السنة النبوية، فقد جاء فيها نصوص كثيرة تدل على فضل هذه الأيام، وأنها أفضل أيام العام، وأن العمل فيها أعظم أجرًا، وأحب إلى الله، وأزكى عنده، وأحظى لديه من العمل فيما سواها من الأيام، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "ما من أيام العمل الصالح فيهن، أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء" رواه البخاري وغيره.
وروى الدارمي والبيهقي بإسناد حسن أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من عمل أزكى عند الله –عز وجل- ولا أعظم أجرًا، من خير يعمله في عشر الأضحى، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء"، قال القاسم بن أبي أيوب: وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر، اجتهد اجتهاداً شديدًا، حتى ما يكاد يقدر عليه.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل دلالة صريحة على أن عشر ذي الحجة، هي أفضل أيام السنة على الإطلاق، فإن قوله: "ما من أيام" نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، ثم إنها مؤكّدة بـ "من" البيانية، وهي مزيدة لاستغراق النفي، فيكون المعنى: ما من أيام الدنيا أيام أفضل عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر. وقد صرح بذلك النبي –صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر بقوله: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" رواه أحمد بسند صحيح.
ولأجل هذا اختلف العلماء: أيهما أفضل عشر ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟
قال ابن كثير –رحمه الله-: "وبالجملة، فهذا العشر- يعني عشر ذي الحجة- قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضّله كثير على عشر رمضان الأخير، لأن هذا يُشرع فيه ما يُشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه. وقيل: ذلك أفضل، لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. وتوسط آخرون، فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذلك أفضل، وبهذا يجتمع شمل الأدلة. والله أعلم" أ.هـ.
وقال ابن القيم: "فإن قلت: أي العشرين أفضل؟ ... فالصواب، أن يُقال: ليالي العشر الأخير من رمضان، أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة، أفضل من أيام عشر رمضان، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه" أ.هـ.
والحقيقة أنه لا يهمنا كثيرًا، أي الأقوال أرجح؟ بقدر ما يهمنا أن ندرك فضل هذه العشر، وعظم شأنها عند الله تعالى حتى نحرص على اغتنامها، والمنافسة على الخير فيها، وبهذا نعلم مقدار ما نحن فيه من غفلة وتفريط، وحرمان من هذه الخيرات، وخسارة لتلك النّفَحَات.
وإنّ المرء ليسرُّ سرورًا عظيمًا حين يرى اجتهاد الناس في العشر الأواخر من رمضان، واهتمامهم بها، وحرصهم على اغتنامها، والمنافسة على الخير فيها، ولكنه يعجب أشد العجب، حين يرى هؤلاء الصالحين أنفسهم، لا يحفلون بهذه الأيام المباركة، ولا يهتمون لها، ولا يجتهدون فيها كاجتهادهم في العشر الأخير من رمضان، مع أن هذه الأيام أفضل من تلك الأيام كما سبق؛ فكانت جديرة بأن يهتم بها أكثر، وأن يحرص المؤمن على اغتنامها بشكل أكبر، ويستثمر كل لحظة من لحظاتها فيما يقرّبه إلى الله ويرفع درجاته عنده.
وقد دلّت الأحاديث السابقة على أن العمل الصالح في عشر ذي الحجة أحب إلى الله، وأفضل عنده من العمل نفسه لو عُمل في غيرها من الأيام، وأن العبادة فيها أزكى عند الله وأعظم أجرًا من نفس العبادة، لو فُعِلت في غيرها من أيام العام. فإذا تصدّقت بمائة ريال في هذه العشر، فإنه أعظم أجرًا وأحب إلى الله من التصدّق بهذه المائة في شهر شعبان أو شوال، أو غيرها، وإذا صلّيت ركعتين في هذه العشر فإنهما أحب إلى الله من ركعتين مثلهما تصليهما في غير هذه العشر. وعلى ذلك فقس بقية الأعمال.
بل دلّت هذه الأحاديث على أن العمل فيها، وإن كان مفضولاً، فإنه أعظم أجرًا، وأزكى عند الله، وأحبّ إليه من العمل في غيرها، وإن كان فاضلاً، ولا أدل على ذلك من كون العمل فيها أعظم من الجهاد في سبيل الله الذي يتضمن قطف الرؤوس، وإزهاق النفوس، وتقطيع الأعضاء، وإسالة الدماء، والذي هو من أفضل الأعمال، وذروة سنام الإسلام. فالعمل في هذه العشر أفضل من سائر الأعمال في غيرها، وأفضل من أنواع الجهاد كلها إلا النوع الذي استثناه الرسول –صلى الله عليه وسلم- بقوله: "إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء".
وإذا كان الأمر كذلك، وعلمت أيها المسلم أن الله يحب العمل في هذه الأيام ويباركه ويزكيه، فحرِيّ بك أن تجتهد في هذه الأيام، وتحرص على اغتنام كل لحظة من لحظاتها، وأن تعمّرها بأنواع الطاعات والقّربات التي تزيدك قربًا من ربك، وتكون سببًا لسعادتك ونجاتك في دنياك وآخرتك، فإن الأيام مراحل الآجاب، ومخازن الأعمال، وليس لك أيها الإنسان من عمرك إلا ما قضيته في طاعة ربك، واستودعته عملاً صالحًا تجده أحوج ما تكون إليه، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون).